يصف توفيق الحكيم نفسه بأنه " كاتب اجتماعي " ومن ثم فإن وصفه بالمعتصم في برجه العاجي يصبح وصفا غير دقيق ، والدليل كتبه ومقالاته في الصحف التي اشتبك من خلالها مع الواقع الاجتماعي لأمته ، ولم يكن انشغاله بالمصريين الذين كتب لهم " عودة الروح " عن رغبة فنية أو أدبية يكتسب بها حبهم وتصفيق النقاد ، بل عن أمل حقيقي تمناه لبني وطنه حتي يكونوا علي مستوي حضارتهم التي لا تزال تدهش العالم .
وفي كتابه " شجرة الحكم " تنبأ الحكيم " بثورة مباركة " بهذا الاسم " تأتي لتخلص مصر من الجمود والنوم والهمود الذى أوقف حركتها عن التقدم بما آلت إليه حياتنا السياسية من معوقات بسبب المنازعات والخصومات بين الأحزاب الحاكمة " .
كان الحكيم واثقا أن المصريين لا تنقصهم الإرادة إذا وجدوا من يوجه إليهم الدعوة ويقودهم إلي ما فيه خيرهم ، ورغم كل الصعاب التي قد توحي باستكانة المصريين فإنه من رحم الأزمة تأتي المنحة ، أو كما يقول الحكيم :
" إن مصر التي نحسبها نائمة تنهض فجأة من جديد لتأتي بالمعجزات ، وبهذه المناسبة نصر أكتوبر فيه مصداق قولي ".
ورغم حضارة مصر التي تجاوزت السبعة آلاف سنة ، وقد مرت خلالها بغزوات وانكسارات ، فإن مصر أبدا لا تهرم ولا تموت ، لأن قلبها دائما يبقى دائما شابا نابضا بالحياة ، وهو ما كان يشعر به توفيق الحكيم نفسه – كمصري – حتي وهو في عمر الشيخوخة ، حين أوضح لأحمد بهجت حين سأله : هل هناك جزء في روحك لا يهرم ؟ فأجابه :
" الجزء الذي لن يهرم أبدا عندي هو " القلب" ، هو مثل حبة القمح التي ترقد مع موميات الفراعنة ويمضي على رقادها آلاف السنين ، فإذا أخرجت واستيقظت وغرست في الأرض من جديد فإنها تنبت . ولعل هذا من صفات مصر الخالدة .. إنها تقاوم الموت والهرم .. هل رأيت تمثالا واحدا في مصر لرجل هرم ذي لحية ؟! .. تماثيل مصر كلها حليقة الذقن والشارب .. كلها لرجال في سن الشباب . أين إذن العجائز ؟! .. لا يوجد عجائز في مصر ، أليست هذه عجيبة ؟ . حتى اليونان المشهورة بجمال تماثيلها ورجالها .. تجد منها الحليق الشاب ، ولكن أيضا تجد المسن بلحيته وشيبته . كذلك في تماثيل آشور وبابل ، أما في مصر فلا تجد لحية واحدة على تمثال واحد .. إنه الشباب والبعث ومقاومة الفناء " .
الكسل العقلي
ومادامت لدي مصر إرادة مقاومة الفناء فإن حل أي مشكلة يصبح ممكنا إذا بدأنا بالاعتراف بوجود المشكلة أي " المرض " ، وهو ما يسميه الحكيم " الكسل العقلي" الذي ينتج عنه " التخلف " ، أو كما يقول :
وقضية التخلف أصبحت في بلادنا اليوم ظاهرة واضحة ، فالتخلف في معالجة الأمية والتخلف في التفكير والانتاج المادي والذهني والابتكار ، وكل ذلك كان من الواجب عرضه على البحث المتعمق في هيئاتنا الثقافية .. ولم يحدث حتى الآن ، لأننا مصابون جميعا فى كل ناحية من نواحي المجتمع بمرض خطير جدا لم يكن بهذه الخطورة عندنا من قبل " الكسل العقلي " الذى من أعراضه الروتينية والبيروقراطية ، وبهذا ضعفت ملكة الابتكار ، وكان التخلف .
وقد تتبعت برنامجا ممتعا مفيدا في التليفزيون هو " أمسية ثقافية " الذي يديره بمهارة فاروق شوشة ، وكان ضيفه في ذلك المساء الكاتب الفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود الذي يمتعنا دائما بتفكيره العميق وتحليله المتميز، وقد هزني بانفعاله الشديد وهو يقول ويكرر ويدق بيده علي المائدة : نحن متخلفون . متخلفون . متخلفون .
ومع الأسف إن هذا البرنامج الممتع محدود الوقت ، فلم يسمح لهذا الموضوع بالإفاضة والتفصيل .. فما إن انتهي هذا البرنامج حتى واصلت أنا التفكير فيه وقلت لنفسي : حقا نحن متخلفون . والدليل البارز علي هذا أن اختراع المطبعة ظهر واستعمل في أوروبا منذ ثلاثة قرون ، ونحن لا نعلم ومضينا نستخدم " النسخ " للكتب والنشر في النطاق الضيق حتي مبدأ القرن التاسع عشر .. كيف تخلفنا كل هذا التخلف ، وما الذي حجب عنا العلم بوجود المطبعة مئات السنين ؟ لم نبحث ذلك ولماذا ؟ .
كذلك نسمع على لسان بعض مثقفينا قولهم إن رفاعه الطهطاوي وأمثاله قد انبهروا بأوروبا ، حتي لقد قالوا عن محمد عبده إنه زنديق لأنه تعلم من اوروبا بدعة الأكل بالشوكة والسكين !
ولم نفكر فيما كان ينبغي أن نفعل عندما يذهب أحدنا إلى بلد متقدم ؟ فهل يغلق عينيه حتى لا يري التقدم ؟ وهذا ما حدث بالفعل لعالم أزهري آخر هو نقيض لرفاعه الطهطاوي ، ذهب إلي السوربون لنيل الدكتوراه في موضوع ديني إسلامي .. ولست أدرى لماذا ذهب إلى فرنسا لينال الدكتوراه في موضوع ديني على يد مستشرق فرنسي مسيحي ؟ المهم أنه ذهب إلى باريس وحبس نفسه في حجرة فندق طول الوقت وعاد بالشهادة دون أن يرى أو يعرف ما حوله من تقدم .. هذا مثال من بلادنا ..
وهناك مثال آخر من اليابان .. فلقد كانت اليابان ترسل مبعوثا متخصصا في كل فرع من فروع المعرفة والعلوم والآداب والفنون ليتابع هذه المعارف والكتب التي تصدر فيها ، ويترجمها إلى اليابانية في الحال ، ويرسل تقاريره عما شاهد في الخارج .. وأخذوا يقلدون أوروبا كل التقليد حتى امبراطورهم الياباني وله مركز ديني ( ابن الشمس ) ترك لباسه الياباني القديم التقليدي وجعل لباسه الرسمي الردنجوت الغربي والقبعة .. وقلد اليابان الغرب منبهرين حتى أصبحوا مثله فى الصناعة والتقدم ، ثم تفوقوا على أوروبا وأمريكا في الصناعة والتقدم ونافسوها وبرزوا عليها ، وخرجوا من نطاق الدول الآسيوية المتخلفة إلى مصاف الدول الكبرى المتقدمة .. كل ذلك بدون مركب النقص والتكلم عن الانبهار والأصالة والماضي العريق ونحو ذلك من الألفاظ ..
فأمام هذين المثالين ماذا يجب أن نختار ؟
يظهر أن الذى يهمنا هو إطلاق الألفاظ البراقة ..
والسؤال الآن : التخلف عن ماذا ؟
هل هو عن الغرب ؟ الذي يوصف بالمتحضر .. يدعو للأسف ..
وفى العالم المتخلف أو الذي يوصف بالنامي وفيه بلادنا مصر يدعو إلى السخرية ..
أما المتحضر فإنك يا ربي قد أعطيته العلم ، فصنعوا به أدوات دمارهم ..
وأما عالمنا المتخلف فقد أقمته على قدميه فسار يتخبط بهما في ظلمات الجهالة ومضحكات السفالة .. وهل هناك ما يضحك أكثر من مجتمع من الناس أخرجوا من رؤوسهم "عقولهم" ووضعوا بدلا منها " أحذيتهم " .. ودفعتهم هذه العقول الجديدة أن يجروا بسهولة مدهشة في طرقات القمامة .. لأن القمامة لا تملأ الشوارع والبيوت فقط بل تملأ الجيوب والقلوب .. فإذا فتحنا قلب أي مار في الطريق أو جالس في بيت أو حتى العابد في بيت من بيوتك يا ربي نجد القلب انقلب إلي جيب ! .. أهي معجزة مجتمع اليوم : أن تنقلب القلوب إلي جيوب ؟! . فلقد كان هناك حين من الدهر وجد فيه ما سمي بالمثل العليا وما سمي بالقيم المعنوية ، كما كان فيه أيضا القيمة المادية . فإذن كانت هناك الثروة التي تملأ القلب وحده ، ولها بريق الإيمان يشع في مجتمع يحترم هذا البريق .
يتساءل الحكيم بعد أن قارن بين تخلفنا الحاضر وتقدم الغرب :
إذا كان التخلف الذي نحن فيه هو تخلف عن الغرب فهو شئ قديم معروف كما رأينا لا يقل عن ثلاثة قرون .. ولكن الأمر الخطير جدا هو أن هذا التخلف هو عن أنفسنا .. نعم نحن تخلفنا عن أنفسنا ! ولنقارن فقط بين حالنا وقدراتنا العقلية في القرن الماضي ( التاسع عشر ) فقط وبيننا اليوم ؟ يظهر أن ذلك أيضا لم نفكر فيه أو نفحصه .. وهو أننا تخلفنا اليوم عن أنفسنا بالأمس ، ويكفى أن نلقي نظرة على المؤلفات والمترجمات التى نتجت بالمجهود الذاتي وبالنشر بدون مطبعة وبواسطة النسخ .. والقمم التى ظهرت ولمعت في المجال الروحي والديني ، أو في المجال الدنيوي والاجتماعي .. ولنقارن . لكن من الذي يطلعنا على ذلك اليوم أو يهتم به ؟
ولماذا كان يهتم بذلك أفراد في الماضي دون تفكر أو دافع من حوافز مادية . أخبروني ما هي الحوافز التي دفعت مؤرخين مثل ابن إياس وابن خلدون أو الجبرتي وغيرهم إلى تأليف كتب التاريخ التى نعرفها عنهم .. وعن القواميس الكبرى ودوائر المعارف التى بين أيدينا الآن وقام بها أفراد ؟ وغير ذلك مما لا تسعفني به ذاكرتي الضعيفة الآن .
أنكتفى بالقول أننا تخلفنا عن أوروبا فقط ، ولا نفطن إلى أننا تخلفنا أيضا عن أنفسنا .. وهو الأخطر لأنه يدفعنا إلى اليأس في المستقبل .. لأننا نظن أننا نسير إلى الأمام ونحن في الواقع نعود إلى الخلف .
الحلم
يشخص توفيق الحكيم " الوضع الحاضر " في مصر بعد أن نعته بالتخلف الناجم عن " الكسل العقلي " بأنه في حالة " النعاس " ، ولكنه لم يصل بعد إلي حالة " الإفلاس " ، المهم كيف تكون اليقظة ؟
إنه الحلم .. أو كما يقول الحكيم :
النوم يصنع الحلم .. وبعضنا كان يحلم وهو نائم قبل أن يطلق النداء بالصحوة .. نعم كان البعض منا يحلم .. وأذكر الآن أني عندما كنت راقدا في المستشفى زارني الدكتور محمد عبد القادر حاتم .. وجعلنا نتحدث عن تلك الأحلام ، ومن بينها هذا النوم الشامل في " كهف " الفكر عندنا .. وجرني الحلم إلى أن نتصور جماعة لا نعرفهم .. خرجوا علينا قادمين من الصحراء .. وفي أيديهم مؤلفات وفي عقولهم إبداعات ، أدهشونا بعمق ثقافتهم واتساع نظرتهم ، وإحاطتهم التامة بكل مشكلاتنا ومعضلاتنا .. ووضعوا لذلك الحلول ورسموا الاتجاهات وألموا بوسائل التنفيذ وطرائق التطبيق .
فسألناهم من هم ومن أي بلد ؟ فقالوا : نحن مصريون وحكايتنا غريبة وقد لا تصدقونها .. إنها كالروايات الخيالية .. نحن جماعة لا تزيد عن عشرين شخصا .. عشنا سنوات في أكبر جامعات أوروبا وحصلنا على أرقى الشهادات واشتغلنا بالأبحاث في أهم المعامل العلمية والعملية .. ودرسنا تاريخ الحضارات وعشناها بالفعل في العصر الحاضر .. ثم تأملنا بلادنا فوجدنا أنها جسم ضخم يتحرك في نطاق معين وله عقل يعمل بقدرة معينة .. ولكن ليس له إشعاع موجه أو مبدع إلا في حدود ضيقة جدا .. .. وتساءلنا عما يجب فعله ؟
فرأينا بادئ الأمر أن التعليم بمدارسه وجامعاته يحتاج إلى تعديلات في المحتويات والاتجاهات .. ثم عدنا وعدلنا عن هذا الرأي وقلنا إن التعديلات الجذرية تأخذ وقتا طويلا ، وقد تؤدي إلي ارتباكات ، وأن الأفضل تركها تعمل كما اعتادت .. مع إدخال ما يمكن تنفيذه في بعض البرامج .. ولكن الإشعاع لا يصدر إلا عن مصباح كبير لأنه هو بمثابة " العقل " في الأمة .. وأن الأفضل ترك التعليم الحالي مع التحسينات الممكنة ، ليخرج ما تحتاج إليه البلد من الوظائف والأعمال التي يقتضيها الروتين العملي .. أما المصباح المشع في البلد فينشأ له جهاز أو جامعة أخري مستقلة يستحسن أن تكون بعيدة عن إشراف الجهات التنفيذية في الدولة حتى لا تكون أسيرة الروتين والبيروقراطية ..
وتصورنا هذا الجهاز أو الهيئة أو العقل المشع في صورة جماعة من النوابغ في كل فرع ، لا يزيدون عن مائة ينقطعون لدراسة ما تحتاج إليه البلاد في كل نوع من أنواع النشاط الإنساني .. ويكون لهم تلاميذ لا يزيدون عن الخمسين يختارون من أنبغ العقول .. ويكون لكل منهم بيت صغير بحديقة في أرض خارج العاصمة ، في إطار بلدة صغيرة أو ضاحية بها كل مستلزمات حياتهم .. وتغنيهم عن العواصم ، على غرار " مصر الجديدة " ، وتسمى بلد " العلماء أو العقول " ، وهم يشيدون بيوتهم بأنفسهم أو تحت إشرافهم .. ولا يقبلون أي وظائف أخرى . فالعقل لا يمكن أن يترك مكانه ورسالته ويفضل عمل اليد أو القدم ، لأنها أكثر أجرا وحركة ومتعة .. ولا يوجد امتحانات ولا شهادات .. لأن العقل يعمل ويبدع تلقائيا ويشع من داخل طبيعته .. وهل المصباح يوجهه أحد أو يغريه بأن يشع ؟ . ولما كانت هذه الهيئة المشعة أو العقل القومي في حاجة إلى تمويل لإنشائه ، فقد تملكتنا الحيرة إلى أن أسعفنا الله بالممول ..
كان رجل يملك ثلاثين مليون جنيه هرب بها إلى أوروبا .. قابلناه وعلمنا أنه اختلس هذا المبلغ الضخم من بنوك مصر ( * ) وهرب إلى أوروبا .. وصرف ما يبلغ نصف المليون في الملاهي والنساء وكل المتع حتى سئم ، ويسألنا النصيحة : أين يجد السعادة ومعه كل هذه الأموال ؟ فوجدنا الفرصة سانحة أن نقنعه بأن يضع أمواله في مصباح يضئ مصر كلها
.. ثم شرحنا له مشروعنا .. وقلنا له إن هذا المال المسروق سوف يقلبه من لص رخيص إلي وطني تقام له التماثيل ! ولم نتركه حتي اقتنع .. واشترط علينا أن نسعى إلى تخلصه من جريمة الاختلاس .. فوعدناه خيرا .. وقلنا له إنه سوف يرد المبلغ الذى اختلسه من البنوك ، لأن مشروعنا سوف يأتي بربح كبير .. فالضاحية التى سوف ننشئها في الصحراء قرب العاصمة مثل ضاحية " مصر الجديدة " ستأتي بموارد أضعاف ما اختلسه ، لأنها ستكون بلدا سياحيا علميا علاجيا ..
فلقد كنا قد اقترحنا علي بلد واسع الثراء أن ينشئ بلدا به مستشفى يجتذب أكبر الأطباء والعلماء في أمراض خطيرة مثل السرطان ، وأن يغري هؤلاء العلماء العالميين بأكبر الأجور فى العالم ، وبأحدث المعامل والمعدات ، وسوف نجد أغلب المرضي فى العالم يفدون إلى هذا المستشفى الذى يضم أشهر الأطباء المتخصصين في العالم .. وستصبح البلد ليست علاجية فقط بل سياحية أيضا ، فتنشأ الفنادق والأماكن والمعامل التعليمية لتدريب الأساتذة في البلاد الأخرى .. ويصبح سمعة هذا البلد الصغير فى العالم مكانا مشرفا ورمزا للإنسانية والحضارة .. ولكن للأسف لم يسمع هذا البلد الثري هذا الرأي وفضل أن ينفق ملايينه في إصدار الصحف التي تشتم الآخرين وشراء الأسلحة التي يحارب بها جيرانه .
ومن حسن حظنا أن وجدنا أخيرا الثري الذي اقتنع بوجهة نظرنا ووضع تحت تصرفنا عشرة ملايين لهذا المشروع " مصباح الأمة " ..
وابتسم الدكتور حاتم وقال : قصة خيالية ممتعة .. ولكن لنعد إلى الحقيقة .. ما قولك لو نفذنا مثل ذلك تقريبا بغير ملايين ذلك المختلس ؟ .
قلت : كيف ؟
فقال : عندنا في المجالس القومية المتخصصة نخبة من الأفاضل المتخصصين ، فإذا أقنعتهم بأن يختاروا من بينهم صفوة من أصحاب الاختصاص ، ووضعنا مشروع جامعة مستقلة للعقول الممتازة ، تختار بدقة من بين أرقى الشهادات في الخارج ، وأقنعنا الدولة بأن تنشئ بهم هذه الجامعة المستقلة التى لا تخضع لروتين هيئة حكومية .. لتكون هي المصباح القومي المطلوب ، بدون المساس بالجامعات الموجودة التى نتركها تعمل لأهدافها المقررة لها .
قلت له : هذا شئ عظيم .. وفي فرنسا شئ من هذا القبيل مستقلة عن أجهزة التعليم هي " الكوليج دي فرانس " ، ليس فيها تدريس ولا شهادات ، ولكن فيها المصابيح والعقول التي لها رسالة الإشعاع ، ولها مكانتها المعروفة في فرنسا وفي العالم في كل العلوم وأنواع النشاط الإنساني ، وكل مهمتهم إلقاء عدد يقدرونه هم من المحاضرات العامة يحضرها من يريد تنمية لثقافته .. بالمجان وبغير قيود ولا شروط . وكان عندنا قبل ذلك في أقدم جامعة وهي الأزهر الشريف .. كان العالم المبجل العظيم يجلس مستندا إلي عموده ، ويحضر لسماع دروسه كل من يريد دون شروط أو امتحانات أو شهادات .. إنه العلم والثقافة ، أي الإشعاع المضئ في الوطن وكفي . فهل نأمل في صحوة نقيم فيها مصابيح " العقول " ؟
فهل نأمل في أن نستيقظ لنري هذا " المصباح القومي " لعقل الأمة المشع قد قام يؤذن بالحقيقة الواقعة بأنه قد حدثت بالفعل " الصحوة الكبرى " .
ولم يكن الحكيم ليدير حوارا مع د. عبد القادر حاتم بالذات حول " مصابيح العقول " إلا لتقديره لقيمة الرجل كأحد علماء مصر وبناتها العظام ، أو كما كتب يقول عنه :
" رجل مطبوع على البناء " الدكتور عبد القادر حاتم " بما وضعه من أشياء رأى فيها النفع لبلاده .. ومنها التليفزيون ، ولا أريد أن أحمله مسئولية تركه بعد ذلك للموظفين يديرونه حسب مستوى أفقهم " .
ومن الأشياء التى رأي د. حاتم فيها النفع لبلاده إنشاءه وزارة السياحة ، وتأسيسه للنهضة المسرحية بإنشاء عشر فرق مسرحية تليفزيونية أعادت الفنان المصري من غربته بسبب البطالة في بلده ، كما كان هو صاحب النهضة الثقافية حين تولى وزارة الثقافة فأصدر مشروع " الألف كتاب " بقروش قليلة في ستينات القرن العشرين ، وهو ما تكرر في تسعينات هذا القرن علي يدي السيدة سوزان مبارك بمشروع " مكتبة الأسرة " ، ويعود للدكتور حاتم الفضل في إنقاذ معبد أبو سمبل من الغرق بعد تدشين مشروع السد العالي ، كما أنشأ دار الأوبرا الجديدة بمنحة يابانية ، بعد احتراق الأوبرا القديمة التي أنشأها الخديو إسماعيل بحديقة الأزبكية ، ولو أردنا الحصر لأيادي د. حاتم البيضاء علي الحياة المصرية التى تولي خلالها وزارات الثقافة والإعلام والسياحة ، لوصلنا إلي مائة مشروع ، ويكفي أنه ختم رحلته في خدمة بلاده بإنشاء المجالس القومية المتخصصة التي كانت تضم خيرة العقول المصرية في شتي المجالات ، أو كما يصفهم د. حاتم بأنهم : علماء وكبار المفكرين ، ولا يحصلون إلا مكافأة بسيطة هي بدل انتقال ، وبعضهم تنازل عنها ( مع العلم بأن كل ميزانية المجالس 186 ألف جنيه في العام ! ) ، وقد وصفهم الحكيم بأنهم " نخبة رفيعة من العلماء الأفاضل " ، وهو ما يعني أنه كان متابعا لنشاطهم فى هذه المجالس التى كانت تقدم خلاصة تجاربها لنهضة مصر ، وترسل بتوصياتها إلي كل وزير في مجاله ، ولكنه " الكسل العقلي " الذي تحدث عنه الحكيم والذي منع مصر من الاستفادة بهذه الفرصة ، وقد شرفت بحضور بعض جلسات المجالس القومية وحصلت علي بعض تقاريرها ، وقد صرح لي أحد المعاونين للدكتور حاتم في هذه المجالس " كأنهم يحرثون في البحر " ، فالوزير – أي وزير - يتلقى توصيات هذه المجالس ويركنها علي جنب دون الاستفادة بها ، من باب ألا وصاية لأحد عليه ، ليتصرف الوزير بعقله فقط دون الاستفادة بثمرات العقول الأخرى ، وهو الكبر والغرور الذي يتحكم في عقول بعض المسئولين فيغيبهم عن تحري المصلحة العامة ، لمجرد أنها تأتي عن مصدر آخر غيره ، وهو ما حدث حينما اقترحت مؤسسة " أخبار اليوم " مبادرة أعدها علي أمين في مجال التعليم ، فاشتكي الوزير – وقتها - كمال الدين حسين للرئيس عبد الناصر ، ورفض المبادرة قائلا : وما الذي نفعله إذا كانوا يقترحون علينا ؟!
ويبدو أن هذا داء في الوزراء ليس جديدا ، فتوفيق الحكيم يعود بنا إلى ثلاثينات القرن الماضي حينما كتب عن " فساد الدولاب " قائلا :
حتى على فرض فراغنا من رسم الخطط ووضع البرامج ، فالباقي بعد ذلك كثير ، بل إن مجرد السير الآن في طريق العمل عسير ، إذن بمن نعمل ؟ ..إن الأيدي العاملة قد لحقها الفساد ، فهي مثل " تروس " الساعة المختلة ، تدور في غير حدود . فيد الوزير أحيانا تمتد إلى الأنظمة والأوضاع تقلبها رأسا على عقب ، دون أن تصغي إلى كلام أصحاب الاختصاص من المرؤوسين ، وإن الموظف مهما يكبر ومهما ينبغ لا يعدو أن يكون تابعا يتلقى أمر رئيسه ويؤمن على رغباته ، وإن علم أن فيها الضرر لمصلحة البلاد ! .. وهكذا أهدرت الشجاعة الأدبية ، وجبنت النفوس عن تحمل المسئولية ، بل إنه ليحدث أكثر من ذلك ، فإن المسألة تعرض أحيانا على لجان من الإخصائيين ، يبحثونها في شهور ، فيأتي وزير يضرب بنتيجة البحث الطويل عرض الحائط ، ويؤشر يقلمه الأحمر مناقضا ما جاءت به اللجنة ، كأنما هو يتحدى تلك العقول ، ليظهر أن رأيه " المرتجل " لساعته خير وأحكم من آراء المختصين بعد شهور ، ولكن الأدهى والأمر أن يجد في أكثر الأحيان من بين موظفي وزارته ومن بين هؤلاء الإخصائيين أنفسهم من يقول له : آمين ، آمين ! .
فهل بمثل هذا الدولاب الحكومي نستطيع أن نسير في تنفيذ خطة أو برنامج " .
وكأن ما حدث في الماضي يتكرر في الحاضر .
وكان د. حاتم أكثر تأدبا حينما واسي خبراء مصر قائلا :
" تحية .. لعلماء مصر في المجالس القومية .. إن لديهم الدراسات والحلول لكل مشاكلنا .. ولكننا أخذنا أجزاء من توصياتهم ونفذناها ، ولكن نرجو لبقية التوصيات أن تأخذ سبيلها إلي التنفيذ " .
ولأنه لم تتم الاستفادة من المجالس القومية المتخصصة فقد ألغيت ، فلم إهدار الوقت والجهد فيما لا ينتفع به ، وخسرت مصر تجربة كان يمكن أن يعول عليها في نهضة البلاد .
ولما كان د. حاتم رئيسا لجمعية الصداقة المصرية اليابانية ، فقد استفاد من التجربة اليابانية وقدم اقتراحاته ونشرها بالفعل لعل مصر تستفيد من هذه التجربة التي وضعت اليابان في مصاف القوي الاقتصادية العملاقة في العالم ، حتي أن أمريكا وانجلترا ودول غربية أخري انبهرت بنظام الإدارة الياباني وأخذت بمبادئ هذه الإدارة وطورتها لتتفق مع طبيعة بيئتها وشعبها .
ولم تكن دعوة د. حاتم للأخذ بمبادئ الإدارة اليابانية مجرد قراءات ، بل عن بحث واستقصاء بين القيادات اليابانية المسئولة عن النهضة اليابانية ، أو كما يقول :
سألت أكثر من أربعة رؤساء وزارات في اليابان عن سر تقدم اليابان ، فعددوا جميعا أسبابا كثيرة – واتفقوا جميعا على عاملين :
الإدارة في اليابان – والمرونة والتقييم المستمر للتجارب .. ولذلك تهتم اليابان بالدراسات المستقبلية ، ويعتبر هذا من أسباب تقدمها المستمر وهي تطور نظم الإدارة على ضوء هذه الدراسات .
فما هي الإدارة في اليابان ؟ : حكومة عدد الوزارات فيها عشرون وزارة فقط - الموظفون في الحكومة أقل عددا من أي حكومة في الدول الرأسمالية . ويشير د. حاتم إلي أن النهضة لا تكون بتخصيص وزارات في مجال التقدم دون أن يكون للنهضة من عملها نصيب سوى اسمها ، لأن أكثر من ثلثي ميزانية هذه الوزارات تذهب مرتبات وحوافز للموظفين ، ولذلك رصد د. حاتم أنه :
لا توجد وزارة للتخطيط في أكبر دولة غنية في العالم ، ولا توجد وزارة للبحث العلمي والتكنلوجيا في أكبر دولة متقدمة تكنلوجيا !
وأهم ما رصده د. حاتم في التجربة اليابانية :
أن القطاع الخاص يقود التنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليابان ، حيث تميل الحكومة اليابانية إلي نقل ملكية القطاع العام إلي القطاع الخاص في كثير من الأنشطة المختلفة – وتعتبر أن نقل الملكية العامة إلى الملكية الخاصة هو نوع من رد الشئ إلى صاحبه الأصلي وهو الشعب .
وجوهر النهضة اليابانية هو الانتماء الذي يبدأ من المدرسة إلى المؤسسة ، مع الوضع في الاعتبار أنهم يعلمون المواطن الياباني منذ نعومة أظفاره بأن " السعادة هي العمل " ، ومن ثم فالمسألة - كما لاحظها د. حاتم – ليست هي العقاب المادي ، بل هي العقاب المعنوي وشعور المواطن الياباني بالخزي والعار أمام زملائه والجماعات المنتمي إليها في المؤسسة ، وأن شعور العامل بالشرف لانتمائه إلى المؤسسة هو الذى يمنعه من ارتكاب الأخطاء ، ولذلك نشأ شعار وروح المقاتل الياباني الساموراى ( إذا ضاع الشرف فما فائدة الحياة ؟ ).
ولأن د. حاتم كان مشغولا بنهضة مصر كتوفيق الحكيم ، فلم يكتف بالنموذج الياباني وسر نجاحه ، وأراد معرفة سر نجاح النموذج الأوروبي حينما زار فرنسا والتقي رئيسها شارل ديجول آنذاك وسأله عن سر التقدم عندهم ، فحكي له الرئيس قصة من التاريخ الفرنسي أجاب بها علي سؤاله ، فقال :
إن رئيس فرنسا سنة 1914 كان يكره سياسيا فرنسيا مشهورا هو كليمونصو ، ولما نشبت الحرب العالمية الأولي استدعاه الرئيس وقال له : أنت تعلم أني أكرهك ، فقال له كليمونصو : وأنت تعلم أيضا أني أبادلك نفس الشعور ، فقال له الرئيس : ولكن فرنسا بحاجة الآن إلى كفاءتك ، فقال له : كليمونصو : وأنا تحت أمر فرنسا – وعينه الرئيس رئيسا للحكومة الفرنسية التي خاضت الحرب وانتصرت .
إذن فالإدارة تحتاج إلي الرجل الكفء ، وهو ما كان يسعي توفيق الحكيم إلي تحقيقه من خلال حلمه ب " مدينة العلماء " ، وهو ما وافقه عليه د. حاتم ووعده بمحاولة تحقيقه من خلال المجالس القومية وإقناع الدولة ، ولعله سعي ولم يوفق ، خاصة إذا كانت المجالس القومية نفسها لا يؤخذ بتوصيات علمائها .
الصحوة الكبرى
أما الدعوة إلى " الصحوة الكبرى " فقد أطلقها الرئيس مبارك ، واعتبرها توفيق الحكيم ثورة ثالثة بعد ثورة 1919 وثورة 1952 ، ولكنها مثل أي دعوة – حسب الحكيم – نكتفي بتجسيدها في مقالات وأناشيد وأحلام .. ويفوت القصد الحقيقي منها وهو أنها صحوة من نوم عميق وسلبية من المحكومين ، وخوف وحذر من الحاكمين . فإذا كان الخوف من التغيير هو رائدنا فنحن إذن من العجز بحيث يخشي علينا من أننا نمهد بأيدينا لثورة نشيطة عاقلة مفكرة منفذة تقوم عنا بذلك نحن الكسالى الخائفين .
***
وكادت دعوة الحكيم لمدينة العلماء أن تتحقق بعد فوز العالم المصري أحمد زويل بجائزة نوبل ، فأراد أن يرد الجميل لبلده بإنشاء " جامعة زويل " التي استثمر فيها علاقاته بعلماء العالم لتخصيب العقول المصرية ، ورغم الحرب التي جوبه بها من أعداء النجاح فقد مضي في مشروعه الذي يقوم علي النابغين من أبناء مصر ، ولكن بمجرد رحيله عن عالمنا ، تولي أمر جامعة زويل غير الأكفاء ، وبالتالي تحولت تدريجيا كأي جامعة أخري ، وأفلت منا الحلم الذي حلم به الحكيم وأراد تحقيقه زويل ، وضيعه من خلفوه .
ابتلاء الأجداد بالأحفاد
ولم تكن دعوة الحكيم للنهوض ببلاده مجرد دعوة طارئة وهو في خريف العمر ، بل هي دعوة لازمته في كل مراحل حياته ...
كتب " يوميات نائب في الأرياف " سخطا علي أوضاع عاشها تنبيها لإصلاحها .
وحينما زار الأقصر في منتصف أربعينات القرن الماضي كتب :
ماذا يعطينا الله أكثر من ذلك ؟ .. لقد منحنا في الأقصر معجزتين : الطبيعة في ذلك الربيع الدائم ، ومعجزة الفن في ذلك الإبداع الخالد ( معبد الكرنك ) ما من مكان في الدنيا تلاقت فيه لا يموت ، وأعجوبة صفاء سماء لا يزول ، هنا اجتمعت المعجزتان ، وتعانقت الأعجوبتان .. ولكن تبين لي على الرغم من ذلك ، أن هنالك ما هو أعجب وأشد إعجازا : ذلك هو وجود أمة لا تستطيع الانتفاع بهتين المعجزتين ! – 29 ديسمبر 1945 .
إذن فهو الكسل العقلي الذى رصده الحكيم من زمان ، وحال بين المصريين وبين استثمارهم لما منحهم الله من نعمة الطبيعة ، وما منحهم أجدادهم من عظمة فنهم .
ولا يكتفي الحكيم بأن يأسي ويعجب ، ولكنه يلفت الأنظار إلي ضرورة أن نتعلم من تراث أجدادنا فضيلة الإخلاص في العمل ، أو كما يسميه قائلا : إنه الإتقان ، إنه الصبر الطويل للوصول إلى الكمال . لقد قال الشاعر بوالو : إن العبقرية ليست سوي الصبر الطويل . وهذا ما يدهش في فنهم .. إنه الصبر .. الصبر ! كم من الزمن استلزم نحت تمثال عظيم كأحد تمثالي – ممنون – طوله عشرون مترا في صخرة واحدة ؟ .. بل كم من الزمن لرفع تلك الزهرة الهائلة فوق ذلك العمود الهائل ، قبل أن تعرف الرافعات البخارية ؟ يخيل إلي أنهم لم يسألوا أنفسهم عن الوقت . في الفن لا تحفل بالزمن يحفل بك الزمن ، فإذا أسرعت أو تسرعت خوفا من إضاعة الزمن أضاعك الزمن . ونحن في العصور الحديثة نخشي أن يضيع وقتنا فننشئ العمارات سريعا ، فلا يكاد ينزل عنها البناء حتي يظهر الصدع ! ..
لا يشتري الزمن إلا بالزمن . أنفق الزمن بسخاء في العمل الفني تظفر له بالبقاء .. فهم هذا الدرس المصريون القدماء فكان خلودهم في الجمال الفني لا فقط في خلود البناء .. وهذا ما فهمته من آثارهم .
ولا يكتفي الحكيم بالدرس " الإتقان " ليلقنه من أجداده لأحفادهم ، ولكنه يلقن المتخرصين من أعداء حضارتنا درسا لا يحيرون بعده جوابا حينما حدث أثناء زيارته للأقصر أن " قال قائل من المشاهدين : إنها السخرة .. إنها الضحايا الآدمية العديدة التى مكنت لهذه الأعمال ! ، فقلت له : وفي عصرنا الحاضر كم من ملايين الضحايا الآدمية في حربين متقاربين مكنت لهذه الأنانية والوحشية ، وكم من مئات الملايين من الذهب أنفقت في القنبلة الذرية ؟ .
في الماضي كانت التضحية على الأقل في سبيل الخلود ، وفي الحاضر التضحية هي في سبيل الموت .
كانوا قديما ينفقون ويبذلون ويبقي الفن متعة للأجيال ، واليوم ينفقون ويبذلون للتدمير العام وإبادة الشيوخ والنساء والأطفال " .
ومع أنانية الغرب الذي يحاول البعض من المغرضين منهم أن يسلبوا المصري القديم حقيقة إعجازه الحضاري فإن المنصفين منهم يقدرون آثارنا ، ولذلك يري الحكيم أن " أغلبية السائحين من الأجانب ، وهم في عواصمهم يحاولون إمتاع أبصار شعوبهم بالجميل من فن البناء ، والبديع من التماثيل يقيمونها في الشوارع – ويعود الحكيم مقارنا ومحفزا لغيرتنا حبا للإبداع والجمال – أما نحن في مصر .. نحن أحفاد أولئك الفنانين العظام .. أساتذة البشرية في العمارة والنحت والنقش .. فلا تعرف عواصمنا غير شوارع معفرة مغبرة ، لا يقوم فيها بناء واحد يشعرنا بروعة ، ولا ميدان ينهض فيه تمثال يأخذنا بمتعة أو فتنة أو سحر .. ولقد صاح فينا من قال : المسلات في الصعيد ملقاة في الحقول ، والتماثيل الرائعة القديمة مبعثرة في الرمال ! زينوا ببعضها ميادين العواصم .. ولكنها صيحة لا تنفع في شعب حكامه ومحكوموه لا يتذوقون الفن ، إنها لسخرية من الزمن أو انتقام أن يبتلي أولئك الأجداد بمثل هؤلاء الأحفاد !.. ولكن هل نيأس ؟ أو نأمل ونتعلم وندرس ؟ " .
يدفعني توفيق الحكيم لأن أسأل عن ابتلاء الأجداد بالأحفاد : هل حقا نحن أحفاد هؤلاء الأجداد العظماء ، حتي أن الأبحاث الأجنبية أثبتت أن نسبة كبيرة جدا من جيناتهم موجودة في أحفادهم ، إذن لماذا لم يكونوا على مستوى عظمتهم ، أم أن الصدفة فقط هي التى جمعتنا بهم في نفس الأرض ، ولا صلة بيننا وبينهم إلا إرث هذه الأرض التي شهدت إنجازاتهم الحضارية التي لا تزال تدهش العالم ؟!
غياب البروجرام
وككاتب اجتماعي لم يترك توفيق الحكيم " الأحزاب والشعب " في زمنه ، فكتب :
إن المفروض في ممثلي الشعب أن يتقدموا إلى المقاعد النيابية ببرامج ثابتة واضحة محدد فيها بالدقة : الخطط ، ووسائل التنفيذ لمطالب الشعب المختلفة التي يمثلونها .. ولكن الذى يحدث اليوم هو غير ذلك ، فإن كل مشروع حيوي يهم الشعب ، إنما يصدر عن جهات أخرى غير ممثلي الشعب !..ولم نعد ندري ، فيم يمثل هؤلاء الممثلون الأمة ؟! .
إن كلمة أحزاب – كما تفهم في مصر – تطلق في الحقيقة على سبيل التجوز ، إذ ليس في مصر حزب بالمعني الحقيقي لكلمة حزب كما تفهم وتستعمل في النظم الديموقراطية الصحيحة ! إنما في مصر " فرق " منفصلة تسمى أحزابا ، لا هم لكل فرقة من هذه " الفرق " إلا " توزيع " المقاعد البرلمانية ، والحصول على المناصب الوزارية وتنظيم حركة " تذاكر " الانتخاب ، أما برنامج " الرواية " فليس من هم أحد التفكير فيه ! ..فالأمر في ذلك يسير على نمط حفلات التمثيل و " متعهديها " الذين يركزون كل نشاطهم في مسألة توزيع المقاعد وتحصيل قيمة التذاكر ! أما مسألة " البروجرام " والغرض من الحفلة وما إلى ذلك فلا يلتفتون إليه ، ولا يجعلونه من شأنهم !..
وإني لأحب هنا أن أقول : إنه قد آن الأوان لأن يسأل الشعب عن البرامج لا عن شغل المقاعد ! .
إلى متي ونحن لدينا برلمان ، لا نجد فيه ممثلين لملايين الطبقات الفقيرة ، يدافعون عما تراه هذه الطبقات منهضا لها ، مصلحا لحالها ؟! .. ما معنى الديموقراطية إذا لم تكن هي تمكين طبقات الشعب كلها – على اختلاف مراتبها ومطالبها – من الدفاع عن نفسها بنفسها تحت قباب المجالس النيابية ؟!
ما من برلمان في أي بلد ديموقراطي في العالم ، يعرف هذا الوضع الذى نحن عليه ، لأنه ما من أحزاب في العالم تكونت هذا التكوين الشخصي المرتجل كأحزابنا المصرية ، ذات الصبغة الشخصية الواحدة المتشابهة " !.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة